أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

422

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

على التجدد والحدوث ، وإسناد الجري إليها مجازا ، وقوله في البحر توكيد إذ معلوم أنها لا تجري في غيره فهو كقوله « يطير بجناحيه » . قوله : بِما يَنْفَعُ في « ما » قولان : أحدهما : أنها موصولة اسمية ، وعلى هذا الباء للحال أي : تجري مصحوبة بالأعيان التي تنفع الناس . الثاني : أنها حرفية ، وعلى هذا تكون الباء لسبب أي : تجري بسبب نفع الناس في التجارة وغيرها . قوله : مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ : من الأولى معناها ابتداء الغاية أي : أنزل من جهة السماء ، وأما الثانية فتحتمل ثلاثة أوجه : أحدها : أن تكون لبيان الجنس ، فإن المنزل من السماء ماء وغيره . والثاني : أن تكون للتبعيض ، فإن المنزل منه بعض لا كل . والثالث : أن تكون هي وما بعدها بدلا من قوله : « من السماء » بدل اشتمال بتكرير العامل ، وكلاهما أعنى - من الأولى ومن الثانية - متعلقتان بأنزل . فإن قيل : كيف تعلق حرفان متحدان بعامل واحد ؟ فالجواب أن الممنوع من ذلك أن يتحدا معنى من غير عطف ولا بدل ، ولا تقول : أخذت من الدراهم من الدنانير ، وأما الآية فإن المحذور فيها منتف ، وذلك أنك إن جعلت « من » الثانية للبيان أو التبعيض فظاهر لاختلاف معناهما ، فإن الأولى للابتداء ، وإن جعلتها لابتداء الغاية فهي وما بعدها بدل ، والبدل يجوز ذلك « فيه » كما تقدم ، ويجوز أن تتعلق « من » الأولى بمحذوف على أنها حال : إما من الموصول نفسه ، وهو « ما » أو من ضميره المنصوب بأنزل أي : وما أنزله اللّه حال كونه كائنا من السماء . قوله : فَأَحْيا بِهِ عطف « أحيا » على « أنزل » الذي هو صلة بفاء التعقيب دلالة على سرعة النبات و « به » متعلق بأحيا ، والباء يجوز أن تكون للسبب ، وأن تكون باء الآلة وكل هذا مجاز ، فإنه متعال عن ذلك ، والضمير في « به » يعود على الموصول . قوله : وَبَثَّ فِيها يجوز في « بث » وجهان : . أظهرهما : أنه عطف على « أنزل » داخل تحت حكم الصلة ، لأن قوله « فأحيا » عطف على « أنزل » فاتصل به وصارا جميعا كالشئ الواحد ، وكأنه قيل : وما أنزل في الأرض من ماء ، وبث فيها من كل دابة ، لأنهم ينمون بالخصب ويعيشون بالحيا ، هذا نص الزمخشري . والثاني : أنه عطف على أحيا ، واستشكل الشيخ « 1 » عطفه عليها لأنها صلة للموصول ، فلا بد من ضمير يرجع من هذه الجملة ، وليس ثم ضمير في اللفظ لأن « فيها » يعود على الأرض ، فبقي أن يكون محذوفا تقديره : وبث به فيها ، ولكن لا يجوز حذف الضمير المجرور بحرف إلا بشروط : أن يكون الموصول مجرورا بمثل ذلك الحرف ، وأن يتحد متعلقهما ، وأن لا يحصر الضمير ، وأن يتعين للربط ، وألا يكون الجار قائما مقام مرفوع ، والموصول هنا غير

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 466 ) .